سيد محمد طنطاوي
338
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمراد بالركوب : الملاقاة والمعاناة ، والخطاب للناس ، والطبق جمع طبقة ، وهي الشيء المساوى لشيء آخر ، والمراد بها هنا : الحالة أو المرتبة ، وعن بمعنى بعد . أي : وحق الشفق ، والليل وما وسق ، والقمر إذا اتسق . . لتلاقن - أيها الناس - أحوالا بعد أحوال ، هي طبقات ومراتب في الشدة ، بعضها أصعب من بعض ، وهي الموت ، وما يكون بعده من حساب وجزاء يوم القيامة . قال الآلوسي ما ملخصه : قوله : * ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ) * خطاب لجنس الإنسان المنادى أولا ، باعتبار شموله لأفراده ، والمراد بالركوب : الملاقاة ، والطبق في الأصل ما طابق غيره مطلقا . وخص في العرف بالحال المطابقة لغيرها . . و « عن » للمجاوزة ، أو بمعنى « بعد » . والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة أو حالا من فاعل لتركبن ، والظاهر أن « طبقا » منصوب على المفعولية . أي : لتلاقن حالا كائنة بعد حال ، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول . . منها ما هو في الدنيا ، ومنها ما هو في الآخرة . وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - وابن كثير * ( لَتَرْكَبُنَّ ) * - بفتح الباء - على أنه خطاب للإنسان - أيضا - ، لكن باعتبار اللفظ ، لا باعتبار الشمول . وأخرج البخاري عن ابن عباس أنه خطاب للنبي صلى اللَّه عليه وسلم ، أي : لتركبن - أيها الرسول الكريم - أحوالا شريفة بعد أخرى من مراتب القرب . أو مراتب من الشدة بعد مراتب من الشدة ، ثم تكون العاقبة لك . . « 1 » . والفاء في قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . وإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ . ) * لترتيب ما بعدها من الإنكار والتعجيب على ما قبلها ، و « ما » للاستفهام الإنكارى . أي : إذا كان الأمر كما وضحنا لك - أيها الرسول الكريم - من أن البعث حق ، ومن أن المستحق للعبادة هو اللَّه - تعالى - وحده . . فأي شيء يمنع هؤلاء الكافرين من الإيمان ، مع أن كل الدلائل والبراهين تدعوهم إلى الإيمان . وأي : مانع منعهم من السجود والخضوع للَّه - تعالى - عندما يقرأ عليهم القرآن الكريم ، الذي أنزلناه عليك لإخراجهم من الظلمات إلى النور . فالمقصود من الآيتين الكريمتين تعجيب الناس من حال هؤلاء الكافرين الذين قامت أمامهم
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 82 .